مخطئٌ من يدعي أن عهد العبودية ولى، مجانب
للصواب من يعتقد أن عصر الاستعباد قد انتهى... إن عبودية الراهن أشد العبوديات استلابا
لإنسانية الإنسان...
في الماضي كان مفتاح السيادة في يد الإنسان، وإلى جانب العبودية
تقع الحرية، هناك أسياد وهناك عبيد، هناك من يصدر الأوامر وهناك من ينفذها... كانت
طبقة الأسياد وكانت طبقة العبيد... آنذاك كان أمل التحرر حاضرا عند العبيد ، والقابلية
للتنازل عن السيادة حاضرة أيضا عند الأسياد،
التاريخ الإنساني آنذاك كان في طريقه إلى الحرية المطلقة بلغة هيغل، جنينية
أمل التحرر الإنساني تجسدت مع سبراتكوس محرر
العبيد، ونيرون حارق روما... تجدد هذا الأمل
مرة أخرى، ولكن بقوة أكبر هذه المرة مع الأنوار الأروبية، وتجسد تاريخيا في الثورة
الفرنسية... لكن للتاريخ مكر كما يؤكد هيغل
مرة ثانية، ومنح للإنسان وهم الحرية واعتنقه
كأنه الحرية... في بداية التاريخ كانت الحرية أمل و غاية وهدف بالنسبة للعبيد، ولكنها
مجد ومكسب ينبغي التشبث به بالنسبة للأسياد، وكان الصراع ضمنيا من أجل الحرية، أما
الآن لم تعد الحرية هدف ولم تبق مسعى يرجوه الجميع، لأن الكل أصبح يعيش وهم الحرية،
في حين أن الحقيقة تعلن أن الجميع عبيد لسيدٍ له ألف التعريف لكنه نكرة، معروف لدى
الجميع لكنه مجهول، ظاهر لكنه مخفي، سيدٌ بارع في إضمار سيادته، يعلن لنا صراحة أننا
أحرار، وأننا نمتلك زمام أمورنا، لنا الحق في تقرير مصيرنا، يوهمنا أننا أسياد على
أنفسنا، لنا استقلالية تامة في قراراتنا... لكن حقيقة هو سيدنا، ويختار بدلا عنا، يرسم
لنا الطريق سلفا ونمشي نحن فيها معتقدين أننا سلكناه بمشيئتنا... سيدنا أو بالأحرى
قدرنا الجديد هو التقنية .
لم يكن هايدغر مخطئا عندما أكد
أن " التقنية قدر الإنسان "، ربما الزمن الذي أعلن فيه فيلسوف "الدازين"
هذا الأمر، لم تكن فيه التقنية قد استفحلت، و لكنه كان مدركا تماما لما سيقودنا إليه
العقل الأداتي بلغة أدورنو و هوركهايمر، لم يكن الأمر إذن تكهنا ولا نبوءة مغشوشة،
ولا رؤية فاسدة الأصل، بل الأمر كان بمثابة تنبؤ فلسفي، ينم عن قراءة متفحصة للواقع
ولمعيش الإنسان، ونحن اليوم نعيش كل أشكال الاستلاب التقني فقد فيه الإنسان
إنسانيته، لا أحد يقدر على أن ينكر فضل التقنية بكل تفاصليها، ولا أحد يسعه أن
ينكر أيضا كيف أن التقنية سهلت عيش الإنسان، و لكن لا ينبغي أن ننكر أيضا أن
التقنية جردت الإنسان من حريته التي ما فتئ يفتخر بها. صحيح بل صحيح جدا أن حياة
اليوم صارت أسهل من حياة الأمس، ولكن بالأمس كان الإنسان واليوم أصبح شبح الإنسان.

ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق